سيد قطب
2626
في ظلال القرآن
« طا . سين » . . الأحرف المقطعة للتنبيه على المادة الأولية التي تتألف منها السورة والقرآن كله . وهي متاحة لجميع الناطقين بالعربية . وهم يعجزون أن يؤلفوا منها كتابا كهذا القرآن ، بعد التحدي والإفحام . . ويلي ذلك التنبيه ذكر القرآن : « تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ » . . والكتاب هو نفسه القرآن . وذكره بهذه الصفة هنا يبدو لنا أنه للموازنة الخفية بين استقبال المشركين للكتاب المنزل عليهم من عند اللّه ؛ واستقبال ملكة سبأ وقومها للكتاب الذي أرسله إليهم سليمان . وهو عبد من عباد اللّه . ثم يصف القرآن أو يصف الكتاب بأنه : « هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » . . وهذه أبلغ مما لو قيل : فيه هدى وبشرى للمؤمنين . فالتعبير القرآني على هذا النحو يجعل مادة القرآن وماهيته هدى وبشرى للمؤمنين . والقرآن يمنح المؤمنين هدى في كل فج ، وهدى في كل طريق . كما يطلع عليهم بالبشرى في الحياتين الأولى والآخرة . وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة . . إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه . إنما القرآن كتاب يخاطب القلب ، أول ما يخاطب ؛ ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح ، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين . وكلما كان القلب نديا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن ؛ وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف ؛ واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف . وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس ! وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة ، وهو غافل أو عجول ، فلا تنض له بشيء ؛ وفجأة يشرق النور في قلبه ، فتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال . وتصنع في حياته صنع المعجزة في تحويلها من منهج إلى منهج ، ومن طريق إلى طريق . وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن ، إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان . فالذي لا يؤمن قلبه باللّه ، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند اللّه وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده اللّه . الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات . إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه . والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز . ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان . والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن . فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته ، فتصل إلى الآذان ، ولا تتعداها إلى القلوب . فإنه لم يصنع شيئا ، ولم ينتفع به أحد . . لقد ظل كنزا بلا مفتاح ! والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى . . إنهم هم : « الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » . . يقيمون الصلاة . . فيؤدونها حق أدائها ، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي اللّه ، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة